اخرجوا من الغرف المغلقة . لا تُحْبَسُوا عن الطبيعة في داخلها ، فتُحْبَس قلوبكم وأفئدتكم عن الشعور .
املؤوا رئاتكم بأنفاس الهواء النقيّ ، الذي لا أشكّ بأنّه : هديّة من الرّحمن لأرواح المؤمنين !
أنفاس صافية ؛ كالرّصاصة ؛ تخترق جدار القلب ، ولا تستقرّ إلّا في السّويداء .. كأنّها ـ ولا ريب ـ روحُ الحبّ الشعاعيّة التي تبعثر المشاعر ، وتقلب الأحاسيس !
وفوق ذلك تملأ العينَ بشيء من نسق الجمال العالي ، أو بمعانٍ أكبر منه بدرجة .. أو قلْ : بدرجات !
معانٍ لا تنتمي إلى الأرض في شيء ، معانٍ أشمّ فيها عبق رائحة الجنّة التي أُخرجنا منها ...
وهكذا أرواحنا ، تجالد للخلود ..
وهل الحبّ إلّا شكل من أشكال الخلود ؟!
فما بالُ أقوام لَوَوْا عنقه ، ومدّوا جثّته على صدع الفناء ؛ ليكون جسرًا إلى مرامٍ فانية ؟!
لعمري ما يطؤون بأقدامهم يريدون العبور ، إلّا سقطوا في هوّة سافلة بعيدة القرار .
وما بال أقوام استقدموه خادمًا للإنسان الفاني ..
لإنسان الجوع الأرضيّ .. لإنسان لا يشبع .. ولو حيزتْ له الدنيا بحذافيرها !
ليت شعري كيف يشبع وهو يستحسن بذوقه الخَرِب ؛ دار الجوع الأبديّ ؟!
كيف يهنأ بحبٍّ ، وهو يُفْنِيه ، ويريق دمَه هَدْيًا لإبليس ؟!
لله أرواح تخلِّد ذواتها في ألواح الفضيلة ودفاترها بمدادٍ لا ينضب ، مداد يدعى ولا يزال ( الحبّ السماويّ )!
لم يطبع الله على قلوبهم ، ولم تطمس الدنيا بملذاتها على عقولهم وأعينهم ، لم تقْلب (المادة) الحكم على سلطان (الرّوح) ؛ فهم يبصرون الجمال أبدًا حيث تدور حِدَاق أعينهم !
كيف لا .. ومداد الخلود يجري في عروقهم ، وربّهم يمدّ قلوبهم بشيء من دار الخلد ، بشيء كالذي أحسّ به ابن تيميّة وأنشأ يقول : « إنَّ في الدنيا جنّة من لم يدخلها لم يدخل جنّة الآخرة » !
كيف لا .. وقد شعر به أحد العارفين فقال بملء فيه : « لو عَلِمَ الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف » !
منتصف اللّيل
28 / 10 / 1434