|
|
|
#1
|
||||
|
||||
|
أحدثنا جلبة أمام طاولة الحساب في واحد من مطاعم جدة الفاخرة ، أنا واثنان من أصدقائي نتعارك حول دفع الحساب على عادتنا الاجتماعية النبيلة والكريهة أحياناً .
انتهى العراك الملحمي على نتيجة ارتضيناها وخرجنا من المطعم متخمين وبخطوات متثاقلة من شدة ما أكلنا وطعمنا ، وفوق هذا نتبادل كلمات الكراهة لمذاق الطعام وطريقة طبخه التي لم ترق لنا ، ولكن " تورّطنا " ! خرجنا غير آبهين والوقت يقترب من ساعات الفجر الأولى ، فما زال في الوقت بقية ، والجدول يزدحم بالمشاوير التي نقضيها تزجية للوقت وقتلاً للفراغ . خطوات قليلة تفصل بين باب المطعم والسيارة ، وما كدنا نصل حتى استوقفنا مشهد يقطر ألماً ، توقفت لحظات طويلة وأنا أرمق ذلك الطفل المسجى على عتبة محل تجاري . طفل ممدد على جانب الطريق وغارق في نوم عميق ، وفي يده بقايا بضاعته التي يرتزق منها ، حلاوة الإسفنج المصبوغة بلون وردي صناعي ، اعتاد الأطفال بيعها أمام الإشارات ، تسد شيئاً من رمقهم وتكفيهم ذل السؤال ، وربما اشتراها بعضنا رأفة بحال الطفل لا رغبة في بضاعته . بطريقة أقل ما يقال عنها أنها خلاف الإنسانية التي يتطلبها الموقف ، أسرعت إلى جيبي والتقطت صورة ساخنة لهذا المشهد من كاميرا الجوال ، رمقتني امرأة تجلس في سيارة مجاورة بانتظار زوجها ، شعرت بكثير من الخجل ، يبدو أن المرأة كانت تنظر بعين أمومتها العميقة بينما أمارس إلى جانب أصدقائي دوراً سطحياً ساذجاً . كان الطفل مستغرقاً في النوم وقابضاً بكلتا يديه على بضاعته التي فيها معاشه ، لا أعرف إذا كانت هذه نومته كل مساء ، إذ لا مأوى ولا قرار ، أم ابتلعه الإرهاق والإنهاك وجعله ينام كيفما تيسر له . المطعم الذي قصدناه يقطن في واحد من أحياء جدة الراقية ، والحقيقة في جدة لا تعني كلمة " حي راقي " المعنى المعروف لها ، ولكن يسكنه غالبية ذات دخل عالي ، بمعنى أنك تقف على حجم تناقض صارخ يمكن أن يفتعله الإنسان على وجه الأرض ، يمكن أن يكون راقياً وبشعاً ، سعيداً وشقياً في آن ، لطيفاً وبشعاً ربما . دار في خلدي كثير من الأفكار وجال بخاطري عديد من الكلمات والمشاهد ، وأنا أمام مشهد طفولي تحمّل مسؤولية تجاهل الإنسان لأخيه الإنسان ، لمع في قلبي شعور ينطوي على تأنيب داخلي ، شيء من تقريع الضمير ، شعرت بحجم تضاؤل مشتهياتي أمام هذه القسوة التي يعانيها طفل مثل هذا . كتبت غير مرة في شأن المغلوبين ، أحياناً نكتب من أجل أن نتخلص من الشعور بالتقصير تجاه غيرنا ، نتجاوز سؤال الأخلاق في داخلنا ، نخوض عملية تسوية مع مبادئنا الفاضلة الأولية والمثالية ، ثم نستعيد جموحنا الإنساني ونمارس تجاهلنا للحقائق المزعجة . أيها الأصدقاء : كونوا نصيراً للمغلوبين ! |
|
|